جامعة جمعت ناس كثيرة … فأهرب منها ما دامك غافل.

12270149_1627609114168651_850513320_n

 

مثل شعبي شائع يردده أهل جامعة يمدحون به منطقتهم منذ زمن قديم فيقولون :

(( جامعة جمعت ناس كثيرة … فأهرب منها ما دامك غافل))

هذه العبارة تلخص لنا بوضوح تاريخ منطقة جامعة ، وكلمة= جامعة= مشتقّة من جمع و تجميع و جماعة، فقد احتضنت هذه الجهة عبر العصور كثير من الأعراش و العائلات ،حسب ما يرويه الرّواة و المحدثون ،أنّ جامعة قديما  كانت منطقة خالية إلا أنها تمتاز بطبيعة جميلة و جو لطيف نتيجة تمركزها في منطقة جغرافية غنية بغطاء نباتي مثمثّلا في ثروة النخيل المختلفة الثمار و الأنواع التي نبتت بتأثير العوامل الطبيعية منها وجود طبقة غنية بالمياه ، الشيء الذي  ميّزها عن كثير من المناطق على مستوى الأطلس الصحراوي الكبير ممّا جعلها منطقة استقطاب لكل من يمر بطريقها، إذ يدفعه الحال إلى الإقامة في ربوعها الغناءة .

     و عبر العصور و الحقب التاريخية تشكلت نواة سكانية ، والرومان كانوا من الأوائل الذين مرّوا بالمنطقة ، و سكنوا بها، إلا أنّهم لم يعمّروا أو يستقرّوا بحكم تنقلاتهم ، فلا تجد لهم أثرا ، إذ أن المعالم التي تركوها ربما تأثّرت بعوامل المناخ من رياح و حرارة شديدة، أيضا الفتوحات الإسلامية التي شكّلت عاملا من عوامل الإعمار ، إذ في بعض الرّوايات يشار إلى أن الفاتح حسان بن النعمان مرّ بالمنطقة ، و أن تسمية عرش الحشاشنة كان أصلها الحساسنة نسبة إلى حسان بن النعمان الفاتح العظيم حسب بغض الأقوال ، زيادة على ذلك الصحابي الفاتح عقبة بن نافع الذّي وصل إلى سيدي عقبة  ضواحي بسكرة ،و أن بعض السّكان أثناء الفتح زحفوا نحو الجنوب ،و وصلوا إلى منطقة جامعة .

 وبمرور الزمن ، و نظرا للعوامل التي ذكرناها، أصبحت المنطقة مركز تبادل تجاري لغنائها بثروة النّخيل ،مما دفع بالقادمين إليها إلى الإقامة بها من أجل العمل و القوت ، فقاموا بزيادة غرس أشجار النخيل و جلبه من مناطق مختلفة و الذين أطلق عليهم فيما بعد برجال الحشّان أو الجبّار ، والشاهد عبر زيارة المناطق الأثرية و المدن القديمة بالمنطقة كمجمّع رجان الحشّان وقصر وغلانة و كذا سيدي يحي القديمة و منطقة تقددين القديمة و عريانة وغيرها… توحي لنا بوجود تكتّلات سكانية غالبا ما نجدها بين أحضان بساتين النخيل الخلابة …

      إن ّنشأة المـدن تتحّكم فيها عوامل كثيرة منها اقتصادية، دفاعيـةو سياسية، و العامل الطبيعي يلعب دورا فعّالا في ظهور المدن و تنظيمها بشكل أفضـل.

    و عليـه فإنه بتـوفر المياه الجوفيـة في منطقـة ” وادي ريغ ” تشكّلت الواحات التي أصبحت نقاط جذب لسكان المناطق القاحلـة ، و هذا ما حدث في مدينة جامعة منذ القديم حيث أنّ سكان الدول الحدوديـة المجاورة للجزائر من الناحيـة الجنوبية عمّروا المنطقـة ، و ذلك منذ الحقب التاريخيـة الأولى ،و باتصالهم بسكان البربر للمنطقة تكلموا البربريـة متأثرة باللّغات الأصلية للمعمرين و هو ما يعرف بالرّيغية نسبة إلى وادي ريغ .

و بظهور الإسلام في الجزيرة العربيـة ، و بدخول الفاتحين إلى شمال إفريقيا كما أشرنا ، اختلط القادمون الجـدد و أجناس مختلفـة بالسكان الأصليين كما حدث في كل المناطق التي فتحت سواء بالإقامة أو الزّواج المختلط نظرا لنزوح سكان المنطقة و تعلّقهم بالدين الإسلامي تعلّموا اللغة العربية ، و تدارسوا القرآنالكريم  وأصول الدين و فنون أخرى متنوعة.

   مدينـة أورلان (يقال أنّ هذه الكلمة أصلها روماني) ، أو ما تسمى بتوغلانت ( يقال أن أصل الكلمة أمازيغي من لهجات بني ميزاب ) ، و يطلق عليها وغلانة ( التّسمية الحالية للسكان الذين أستوطنو المكان) حسب الروايات المختلفة ، تعد وغلانة النواة الأولى لمدينة جامعة تشهـد مبانيها على ماضيها و الأخّص ضريح الولي الصالح سيدي علي المحجوبي ، أما سـر التسميـة أورلان فترجع إلى العهد الروماني ، حتى الأمازيغ أقاموا بالمنطقة و الأسماء التي أطلقت على بعض القرى و الثمار لخير دليل على ذلك فمثلا : تندلة – تقددين – تينيسين – تنتبوشت- تازوقاخت وغيرها …

توسّعت أورلان بنواة جديدة على بعـد 700 م من أورلان القديمـة ، و حافـظت على نفس الاسم ،و على إثر بناء دار الحشّان و التي كانت بمثابـة دارا للضّيافـة و مجلسا للشيوخ و أعيـان المنطقـة الذين كانوا يجتمعون و يتدارسون و يقرّرون في أمور دينهم و دنياهم ، و نظرا لكرم أهل المنطقة و ترحيبهم بالضيوف جعل الكثير من النازحين يستقرّون فيها ، و يقيمون بــالدشرة أو ما تسمى بجامعة القديمة أو مجمّع رجال الحشان و يقصد بهم الرجال الذين كانوا قديما يجلبون الحشاّن أو ما يسمى بالجبار و بالأحرى فسيلة النخل من أماكن بعيدة و يغرسونها بالقرب من إقاماتهم مما تشكّلت بساتين واسعة من أشجار النخيل بفضل صبرهم و عملهم الشاق  .

13327527_1695071930755702_7882711238175290353_n

    و أثناء الاستعمار الفرنسي للجزائر ، شهدت جامعة احتلالا من طرف المستدمر الغاشم إذ حوصرت وغلانة  وجامعة القديمة والمناطق المجاورة بالثكنات العسكرية  الفرنسية ومن أبرز هذه الثكنات تكنة برج سليمان و المركز العسكري بمحطة القطار بالإضافة إلى بعض المواقع و نقاط التفتيش ، و استولى المستعمر على ثروات النّخيل و انتزعوها من أصحابها  عنوة ، و تعرّض السكان للعمل الشاق  وشتى أنواع التعذيب ، و معلم  برج كورنو و المحشر غير شاهدين على ذلك.

13301439_1695067490756146_1761434961445820137_o

          كما شهدت المنطقة ويلات الاستعمار الغاشم و معارك كثيرة  أبرزها معركة عين سخونة بتقديدين ،

     و قدّمت منطقة جامعة قائمة طويلة من الشهداء ، وكذا المجاهدين و معطوبي الحرب  من الرجال و النساء و الأطفال ، كما تضم المنطقة وجود الكثير من المعالم التاريخية الشاهدة على الحقبة الاستعمارية الفرنسية .

 و أثناء مكوث فرنسا بالجزائر استولت على ثروة النخيل والتمور التي كانت ترسلها إلى فرنسا مستغلّة بذلك سواعد وعرق أهل المنطقة الذين كانوا يستغلّون كعمال بأسعار زهيدة لا تسمن و لا تغني من جوع  و كمعاقبين من طرف العدالة الفرنسية بالجزائر آنذاك.

   وبعد الاستقلال  وبسبب النمو الديمغرافي الذي شهدته المنطقة ،و نتيجة الظروف المعيشيّة الصّعبة التي عاشها أهل المنطقة ، اضطّر هؤلاء إلى النزوح للتجمعات القريبة ، و خلال هذه الفترة اتّجه نمو المدينة نحو الغرب ،و تشكل حي  ما يسمى بالجناح الأخضر المحادي لمحطة سكة الحديد  و سمي بالجناح الأخضر لأن سكناته تمتد على طول غابات النخيل الخضراء  وموازية لخط السكة الحديدية ، ثم توسعت السكنات إلى الجهات المجاورة  كأحياء : المسجد العتيق و المجاهدين و السوق و البليدة وغيرها من التجمعات…

        استمر توسّع المدينـة بوتيـرة بطيئـة ، و في عام 1969 ، و على إثـر الأمطـار الطوفانيـة التي عمّت المنطقـة في تلك السنة، و بالأخصالمناطق المنخفضة من وادي ريغ مثل جامعة وضواحيها ،تضررّت المدينة بشكل كبير مما نتج عنـه إعادة بناؤها و توسعها من جديــد نحـو الغرب بالأحيـاء المتمثلة في وغلانـه الجديدة و حي الجبل ،و بظهور أدوات التعمير  والبناء ، جسد مخـطط التهيئة و التعمير هـذا التوجّه و التوسّع العمراني ، نحو الفضاءات الشاغرة غربا بتفادي غابات النخيل و الأراضي المعرضة للفيضانات .

   أما بالنسبة للتجمعات السكانية المجاورة فقد شملها نفس التوسّع حيث استغلّت المساحات في بناء السكنات كما هو الحال في قرى كل من تقديدين و سيدي يحي و مازر- الزاوية- علوشة – وبعض تجمعات البدو الرحل آنذاك.

             إن التنوّع البشري و احتضان المنطقة لمعظم الأعراش و اللّهجات الموجودة في الجزائر و حتى من خارجها فما من قبيلة أو عرش في الجزائر تكاد تجده في جامعة : فهناك المزابي و القبائلي و العاصمي و السوفي و الحشاني و البشاري ، و التارقي و الرحماني و السائحي  والنائلي و أهل الحضنة و الوهراني و… ، و الكل يعيش في تناسق و انسجام فقد انصهرت  العادات و التقاليد  بعضها ببعض وتزوّجت الأعراش من بعضها البعض  و لا تكاد تفرّق بين أبناء المنطقة رغم اختلاف  ألسنتهم وألوانهم ، والقادم إلى جامعة لا يحسّ بالغربة أبدا ، فيتأقلم مع سكّانها بكل سهولة وبساطة .

    تعد منطقة جامعة قطبا تاريخيا و سياحيا و ثقافيا بامتياز فقد خرج من رحمها العلماء و الأئمة و المشائخ و حفاظ كتاب الله إضافة إلى الدكاترة والأطباء  و المبدعين والفنانين و الرياضيين و…و هي اليوم تشهد تقدّما و تطورا في كل المجالات تحكي في طياتها تاريخا يتحدث، و واقعا تنمويا يتجسد .

             لذلك يقال: (( جامعة جمعت ناس كثيرة … فأهرب منها ما دامك غافل))

  و المعنى الحقيقي لهذه المقولة:

 (( يا غافلا ، إذا أقمت في جامعة التي جمعت كل الأجناس و الأعراش،  فإياّك أن تغادرها …فقد تندم على ذلك )).

13312906_1695549884041240_3555968558894416795_n 12801596_538936362933574_2992500887196257480_n 12180074_1622464241349805_13175055_n 12180122_929768600445042_1249233462_n 12202469_929768657111703_1397155700_n 12181913_929768763778359_2031231699_n 12188581_1622463664683196_2121391236_n 10255768_1622463691349860_758668970_n 12179291_1622463764683186_143096679_n 12202318_1622463784683184_1241782773_n 12182294_1622463844683178_323620898_n 12507091_983198585074389_1775894346762393147_n 10009755_1472849099644654_4046354519061100466_n 10599579_1472810102981887_1659429606307549360_n 12270159_1627613120834917_1477164458_n 12400743_1641757622753800_3771857777889791056_n

شاهد أيضاً

رئيس المجلس الشعبي البلدي يشرف على لقاء التغافر في ثاني أيام عيد الفطر المبارك

رئيس المجلس الشعبي البلدي يشرف على لقاء التغافر في ثاني أيام عيد الفطر المبارك : …

Shares